واعظ
08-04-2008, 11:04 PM
ثمَّ ألاَ يستحقُّ ابنُ عربي الذمَّ من البوطيِّ والرفاعيِّ، أم أنَّ الأحقَّ بذمِّهما مَن زعمَا نُصحَهم، وعابَا عليهم تكفيره؟! {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟! {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}؟! ومعلومٌ أنَّ الباءَ في مثل هذا تدخل على المتروك.
وأمَّا العلماء الذين نقل عنهم البقاعيُّ تكفيرَ ابن عربي أو ذمَّه ذمًّا شنيعاً، فعددهم يُقاربُ الخمسين.
ومِمَّن نقل عنهم القولَ بكفره:
الحافظ ابن حجر العسقلاني وشيخه سراج الدِّين عمر البلقينِي (ص:159)، وزين الدِّين العراقي (ص:52)، وابنه أبو زرعة وليُّ الدِّين العراقي (ص:124)، وشمس الدِّين الذهبي (ص:161)، وعبد الرحمن بن خلدون (ص:163)، وبدر الدِّين بن جماعة (ص:140)، وشمس الدِّين محمد بن يوسف الجزري (ص:141)، وحفيدُه إمام القرَّاء محمد بن محمد الجزري صاحب الجزرية (ص:176)، وعلي بن يعقوب البكري (ص:144)، ومحمد بن عقيل البالسي (ص:146)، وابن هشام، صاحب مغني اللبيب، وأوضح المسالك في ألفية ابن مالك (ص:150)، وشمس الدِّين محمد العيزري (ص:152)، وعلاء الدِّين البخاري الحنفي (ص:164)، وعلي بن أيوب (ص:182)، وشرف الدِّين عيسى بن مسعود الزواوي المالكي (ص:143)، وشمس الدِّين الموصلي (ص:154)، وزين الدِّين عمر الكتاني (ص:142)، وبرهان الدِّين السفاقينِي (ص:159)، وسعد الدِّين الحارثي الحنبلي (ص:153)، ورضي الدِّين بن الخياط (ص:163)، وشهاب الدِّين أحمد ابن علي الناشري (ص:163).
ومِن الذين ذمُّوه ذمًّا شنيعاً يدلُّ على تكفيره: محمد بن علي النقاش، قال في وحدة الوجود (ص:147): (( وهو مذهبُ المُلحدين، كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض، مِمَّن يجعلُ الوجودَ الخالق هو الوجود المخلوق!! )).
ومنهم: أبو حيَّان الأندلسي صاحبُ التفسير، فقد ذكر في تفسير سورة المائدة عند قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ بنُ مَرْيَمَ} (ص:142 ـ 143): (( ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط مَن أقرَّ بالإسلامِ ظاهراً، وانتمى إلى الصوفية حلولَ الله في الصُّوَر الجميلة، ومَن ذهب من ملاحدَتِهم إلى القول بالاتِّحاد والوحدة كالحلاَّج، والشعوذي، وابن أحلى، وابن عربي المقيم بدمشق، وابن الفارض، وأتباع هؤلاء كابن سبعين )) ـ وعدَّ جماعةً ثمَّ قال ـ: (( وإنَّما سردتُ هؤلاءِ نصحاً لدين الله ـ يعلمُ اللهُ ذلك ـ وشفقَةً على ضعفاء المسلمين.
وليُحذَروا؛ فإنَّهم شرٌّ من الفلاسفة الذي يُكذِّبون اللهَ ورسلَه، ويقولون بِقِدم العالَم، ويُنكرون البعثَ، وقد أُولِع جهلةٌ مِمَّن ينتمي إلى التصوُّف بتعظيمِ هؤلاء، وادِّعائهم أنَّهم صفوةُ الله!! )).
ومِنهم: تقيُّ الدِّين السُّبكي (ص:143)، فقد قال:
(( ومَن كان من هؤلاء الصوفية المتأخِّرين كابن عربي وغيره، فهم ضُلاَّلٌ جُهَّالٌ، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلاً عن العلماء )).
وقد مرَّ نقلُ كلام بدر الدِّين بن جماعة وزين الدِّين العراقي في تكفير ابن عربي، ومِن أقوال الذين صرَّحوا بتكفيره قول إمام القرَّاء شمس الدِّين بن الجزري (ص:175 ـ 176): (( ومِمَّا يجب على ملوك الإسلامِ، ومَن قَدَرَ على الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكر أن يُعدِموا الكتبَ المخالفةَ لظاهِر الشرع المُطهَّر من كتب المذكور وغيره، ولا يُلتَفَتُ إلى قول مَن قال: هذا الكلام المخالف للظاهر ينبغي أن يُؤوَّل؛ فإنَّه غلطٌ من قائلِه، إنَّما يُؤوَّل كلام المعصوم، ولو فُتِح بابُ تأويلِ كلِّ كلام ظاهرُه الكفر، لَم يكن في الأرضِ كافر )).
إنَّما يكون بردِّ المتشابه إلىومعلومٌ أنَّ تأويلَ كلام المعصومِ المُحكَم.
وبعد نقل هذه الجُمَل من كلام ابن عربي المقتضية لكفره، وذِكر هؤلاء العلماء الذين كفَّروه، لا يبقى وجهٌ لأَن يعيبَ الكاتبُ على مَن زعم نُصحَهم تكفيرَهم لابن عربي، حيث قال: (( كفَّرتُم ابنَ عربي ))، والله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
16 ـ قال الكاتب تحت عنوان: (( تزوير التراث )):
(( دأبتُم على أن تحذِفوا ما لا يُعجِبُكم ويُرضيكم من كتب التراث الإسلامي ... )).
وقال: (( ومِمَّا حُذف أو غُيِّر وزُوِّر ))، فذكر أشياءَ منها: (( حاول الشيخُ ابن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (سابقاً) أن يستدرك على ما لا يُعجبُه في كتاب "فتح الباري بشرح البخاري" للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، فأصدرَ مع مُعاوِنيه ثلاثة أجزاء، ثمَّ توقَّف عن التعليق، وقد فتح بابَ شرٍّ بهذه التعليقات )) !!!
والجواب: أنَّ ما ذكره ـ على زعمه ـ يرجع إلى الحذف أو التغيير والتزوير، وما نسبه إلى الشيخ عبد العزيز ابن باز لا علاقة له بالحذف، فبقي أن يكون من قبيل التغيير والتزوير، وأيُّ تغيير وتزوير يكون بالتعليق على كتاب وتعقُّبِ بعضِ ما فيه؟! وهذه طريقةٌ مسلوكةٌ قديماً وحديثاً، مع أنَّ الشيخَ ـ رحمه الله ـ عند تعقُّبه في غاية الأدب، حيث يقول: (( هذا القول فيه نظر، والصوابُ كذا وكذا )).
أمَّا قول الكاتب عن تعليقات الشيخ رحمه الله: (( وقد فتح باب شرٍّ بهذه التعليقات!!! )) فهو من سوء الأدب مع أهل العلم، وأيُّ بابِ شرٍّ فُتِح بهذا العمل؟!
فإنَّ الشيخَ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ معروفٌ لدى كلِّ مُنصِفٍ بأنَّه من مفاتيح الخير ومغاليق الشرِّ، وقد قال الإمامُ الطحاويُّ ـ رحمه الله ـ في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: (( وعلماء السَّلف من السَّابقين ومَن بعدهم من اللاَّحقين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنَّظر، لا يُذكرون إلاَّ بالجميل، ومَن ذكرهم بسوءٍ فهو على غير السَّبيل )).
والشيخ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ جمع اللهُ له بين الخبر والأثر، والفقه والنّظر، فهو محدِّثٌ فقيهٌ.
وأحسَبُ الشيخَ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ ولا أُزكِّي على الله أحداً، مِن خيار الناسِ في هذا الزَّمان، وأرجو أن يكون من الذين قال الله فيهم: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}، وفي صحيح البخاري من حديث : (( إنَّ الله يقول: مَن عادى لِيأبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وليًّا فقد آذنتُه بالحرب ))، وكانت وفاةُ الشيخ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في 27 من شهر المحرم من عام 1420هـ، وقد ألقيتُ عقِبَ وفاتِه محاضرةً في الجامعة الإسلامية بالمدينة بعنوان: (( الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، نموذجٌ من الرَّعيل الأول ))، وقد تَمَّ طبعُها.
ومنها قال الكاتب: (( فُسح إلى أبي بكر الجزائري بأن يعملَ تفسيراً للقرآن الكريم يكون بديلاً ومنافساً لتفسير الجلالَين، ولبَّس على الناسِ أنَّه هو؛ ليَتمَّ ترويجُه على العامة!! )).
والجواب: أنَّ اسمَ تفسير الشيخ أبي بكر الجزائري: "أيسرُ التفاسير لكلام العليِّ الكبير"، ويقع في خمسة مجلدات، وهو فيه يُثبتُ الآيات، ويأتي بمعاني الكلمات، ثمَّ معاني الآيات، ثمَّ هداية الآيات، وهي عبارة عن فوائد تُستنبَطُ من الآيات، وهو بخلاف تفسير الجلالَين، الذي هو مشهور بهذا الاسم، وهو تفسيرٌ على طريقة المتكلِّمين
في غاية الاختصار، يكون التفسير بين كلمات الآيات، ومِن أمثلة ذلك تفسيرُه لآخر آيةٍ من سورة المائدة، حيث جاء فيه كما هو في الطبعة التي عليها حاشية الصاوي:
(( {للهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} خزائن المطر والنبات والرِّزق وغيرها، {وَمَا فِيهِنَّ} أتى بِـ (ما) تغليباً لغير العاقل، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، ومنه إثابةُ الصادقين وتعذيب الكاذبين، وخصَّ العقلُ ذاتَه، فليس عليها بقادر! )).
والضمير في ذاتِه يرجع إلى الله، وهو من تكلُّف المتكلِّمين!!
وأهل السُّنَّةِ والجماعة لا ينقدِحُ في أذهانِهم دخولُ ذات الله تحت قوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، حتَّى يُفكِّروا في إخراجِها.
وعلى هذا، فأيُّ تشابُه بين تفسير الشيخ الجزائري، وتفسير الجلالَين؟!
وأيُّ تلبيسٍ حصل سوَّغ للكاتب أن يقول: (( ولبَّس على الناس أنَّه هو؛ ليَتِمَّ ترويجه على العامة ))؟!!
ولا يكون الكاتبُ صادقاً إلاَّ لو كان اسم تفسير الجزائري: "تفسير الجلالين" وما أحوج الكاتب إلى التحلِّي بقول الله عزَّ وجلَّ: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}!
وقد ذكر الكاتبُ أشياءَ ادَّعى الحذفَ فيها، لَم أتعرَّض لها لعدم تَمَكُّنِي من معرفة الصدق أو الكذب فيها، ولو صحَّ شيءٌ منها، فإنَّه يُنسبُ إلى مَن فَعَلَه من الناشرين وغيرهم، ولا تَسُوغُ نسبةُ ذلك إلى مَن زعم الكاتبُ نُصحَهم في قوله: (( دأبتُم على أن تحذِفوا ما لا يُعجِبُكم ويُرضيكم من كتب التراث الإسلامي ...!! )).
* * *
17 ـ ذكر الكاتب عمَّن زعم نصحهم أنَّهم أنشأوا جامعةً في المدينة المنورة سَمَّوها: (( الجامعة الإسلامية ))، ، فصاروهَرَع الناسُ إليها؛ ظانِّين أنَّهم ستزيدُهم مَحبَّةً واتِّباعاً للرسول الأمرُ إلى خلاف ذلك بزعمه!
والجواب: أنَّ الجامعةَ الإسلامية بالمدينة أُنشئت سنة (1381هـ)، وهي من أعظم حسنات حكومة المملكة العربية السعودية، وأجلّ هداياها للعالَم الإسلاميِّ؛ لأنَّ نسبةَ الطلاَّب غير السعوديين فيها تعادِل 80 % تقريباً.
ومنذ إنشائها والإقبالُ عليها عظيمٌ من داخل المملكة وخارجها، وهي مشتمِلَةٌ على كليَّات: الشريعة، والدعوة وأصول الدِّين، والقرآن الكريم، والحديث الشريف، واللغة العربية، وفيها دراسات عليا لمنحِ درَجَتَي الماجستير والدكتوراه.
وطلبتُها يَدرسون فيها الكتاب والسُّنَّة وسائرَ العلوم الشرعية، وهي تُعنَى بتوجيه طلبتِها إلى الاهتمامِ بهذه العلوم الشريفة؛ ليسيروا إلى الله على هدى وبصيرة، ويسلكوا الصراطَ المستقيم، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}.
وتُعنى أيضاً بتوجيه طلبَتِها إلى مَحبَّة الله ورسوله أعظمَ منوأصحابه الكرام والتابعين لهم بإحسانٍ، وأن تكون مَحبَّتُهم للرَّسول ،محبَّة النَّفس والوالد والولد والناس أجمعين، كما ثبت ذلك عن الرَّسول الكريم لكن بدون غلُوٍّ وإطراء كما هو شأن أهل البِدع، وتُعلِّمُهم أيضاً العنايةَ باتِّباع السنن وترك البدع ومُحدثات الأمور.
وقد تخرَّج فيها حتى الآن ألوف كثيرة، عادوا إلى بلادِهم وغير بلادِهم، وهم في الجملة دعاةٌ إلى الخير وإلى الصراط المستقيم، وفيهم كثيرون تعاقدت معهم حكومة المملكة العربية السعودية للقيام بالدعوة إلى الله والتوجيه إلى الخير في بلاد كثيرة إسلامية وغير إسلامية.
ومعلومٌ أنَّ هذا المنهج القويم الذي تسير عليه الجامعة لا يُعجِبُ أهلَ البدع والدعاة إليها، كما هو شأن الكاتب؛ إذ صارت هذه الحسنات في نظرِه سيِّئات، نسأل الله له وللمقدِّم لأوراقِه الهدايةَ إلى اتِّباع الحقِّ وسلوك طريقه المستقيم.
* * *
18 ـ أنحى الكاتب باللَّوم على حُكَّام المملكة العربية السعودية وقُضاتها لقتلِهم مُهرِّبي المخدِّرات، وكذلك أنحى باللَّوم عليهم لقتلهم السَّحرة، وقال: (( وتوَسَّعتُم في إصدار الأحكام باسم الشرع الحنيف في قتل المخالِفين لكم من أصحاب الرُّقية والعلاج الرُّوحي، وسَمَّيتُموهم (سحرة)! ولَم تُفرِّقوا بين المُحقِّين منهم وبين المُبطلين منهم، وتركتم لأنفسكم مطلق الفتوى والحكم بذلك، فأَسَلْتُم دماءَ الكثيرين من الأبرياء بحُجَّة أنَّهم سحرةٌ تُستباحُ دماؤهم، متناسين قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ}، وقول البشير : (أَوَّلُ مَا يُقْضَى به بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيالنذير الدِّمَاءِ)، فقِفوا عند الحدودِ، وادرؤوها بالشبهات!! )).
والجواب من وجهين:
الأول: أنَّ هذا من عجيب أمر الكاتب؛ يتألَّم لعقوبة الظالمين وهم قليلون، ولا يتألَّم لتضرُّر المظلومين وهم كثيرون لا يحصون، يُشفق على الذئاب ولا يُشفق على فرائسِها!! يَعطِفُ الرِّفاعي على الأفاعي، ولا يعطِف على هلكى سُمومها!! وإنَّ مِن حسن حظِّ المرء أن لا يكون ظهيراً للمجرمين!
الثاني: وأمَّا زعمه أنَّ الحُكَّامَ والقُضاةَ توسَّعوا في قتل أصحابِ الرُّقية والعلاج الروحي، وأنَّهم سَمَّوهم سحرة، وأنَّهم لَم يُفرِّقوا بين المُحقِّين منهم والمُبطلين، وأنَّهم تركوا لأنفسِهم مطلق الفتوى والحكم بذلك، فأسالوا دِماءَ الكثيرين من الأبرياء، وأنَّهم لَم يدرأوا الحدودَ بالشُّبهات، فجوابه أن نقول:
مِن أين للكاتبِ أنَّ الحُكَّامَ والقُضاةَ لَم يُفرِّقوا بين المُحِقِّ والمُبطِل، وأنَّ مَن قتلوهم أبرياء، وأنَّ هناك شبهات لَم تُدرأ بها الحدود، حتى قال ما قال؟!
لكنَّه الرَّجم بالغيب واتِّباع الهوى!
ثمَّ لماذا الاعتراض على الحُكَّام في حُكمهم، والقضاة في قضائِهم، والمُفتين في إفتائهم؟!
وما هي منزلة هذا المعترِض في العلمِ والدِّين؟
رحم الله امرأً عَرفَ قَدر نفسِه، وترك ما لا يَعنيه إلى ما يَعنيه!
والقضاةُ لَم يَنسَوا الآيةَ والحديث، ولَم يتناسوهما، ولكنَّهم اجتهدوا : (( إذا حكم الحاكمُ فاجتهدللوصول إلى الحقِّ، وهم مأجورون على كلِّ حال؛ لقوله فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد ))، رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.
* * *
19 ـ قال الكاتب: (( تتّهتَمُّون المخالفِين لكم من المسلمين بأنَّهم جهمية أو معتزلة مارقين (كذا)، وأنتم الجهميَّة؛ لأنَّكم وافقتموهم في بعض آرائِهم!
وحقًّا أنتم المعتزلة؛ لأنَّكم شاركتموهم في إنكار الولايةِ والأولياء، والكرامة والكرامات، وحياة الموتى، وتحكيم العقل في المغيَّبات من أمور الدِّين!! )).
والجواب: أن يُقال:
أوَّلاً: إنَّ مَن زعم الكاتب نُصحَهم لا يتَّهمون أحداً بِما ليس فيه، بل مَن كان على عقيدة الجهميَّة التي تَظهر في أقواله ومؤلَّفاته وَصَفوه بِما ظهر منه، والمشهور عن الجهميَّة نفي الأسماء والصفات، فهم أهلُ تعطيل، وأهل السنة أهلُ إثبات، لكن بدون تشبيه؛ عملاً بقوله عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، فأثبت لنفسه السمعَ والبصر، ونفى مشابهَتَه لغيره ومشابهةَ غيره له، فلا يوافِق أهلُ السُّنَّة الجهميَّةَ في شيءٍ من آرائِهم ومعتقداتهم، فهم أبعَدُ الناسِ عنهم، وأسعدُهم في مجانبَتِهم.
ثانياً: إنَّ الذين زعم الكاتب نُصحَهم لا يُنكرون الولايةَ والأولياء، والكرامةَ والكرامات، كما زعم الكاتبُ قائلاً: إنَّهم شاركوا المعتزلة في ذلك!
وهم يُقرُّون بالولاية والأولياء، والأولياء عندهم هم الذين قال الله فيهم: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.
ويُصدِّقون بِما حصلَ ويَحصل لهؤلاء الأولياء من الكرامات، إذا حصل ذلك على وجهٍ ثابتٍ، كقصَّة فيأُسَيد ابن حُضَير وعبَّاد بن بشر رضي الله عنهما، وخروجهما من عند رسول الله ليلة مظلمةٍ وبين أيديهما نورٌ، فلَمَّا تفرَّقا تفرَّق النُّورُ معهما، وهي في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه.
وقصَّةِ تكثير الطعام لأضيافِ أبي بَكر رضي الله عنه، وهي في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، ومِمَّا قالَه الإمامُ الطحاويُّ في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في الأولياء: (( والمؤمنون كلُّهم أولياءُ الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعُهم وأتبعُهم للقرآن ))، وقال: (( ونؤمنُ بِما جاء من كراماتِهم، وصحَّ عن الثقات من رواياتِهم )).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في العقيدة الواسطية: (( ومن أصول أهل السُّنَّة: التصديقُ بكرامات الأولياء، وما يُجرِي اللهُ على أيديهم من خوارقِ العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات.
والمأثور من سالف الأُمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وسائر قرون الأُمَّة، وهي موجودةٌ فيها إلى يوم القيامة )).
وأمَّا إذا كان الأمرُ الخارقُ للعادة جاء في حكايات هي أشبه بالخرافات، لا سيما إذا كانت واضحةً في مُخالفةِ الشرعِ، كالاستغاثةِ بغير الله من الأمواتِ والأحياء الغائبين، ويُزعم أنَّها كرامةٌ لِمن ادُّعيت له الولاية، والله أعلم بحقيقة الحال، فإنَّه لا يُلتفتُ إليه، ولا يُغتَرُّ به.
وأكتفي بالتمثيل لذلك بِما ذُكر أنَّه من كرامات العيدروس الذي قال عنه الكاتبُ: إنَّه بركةُ عدَن وحضرموت، وأشاد بِمشهدِه، ونوَّه ببناءِ قُبَّتِه، ووصفها بأنَّها مباركة!!
فقد قال عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروسي في كتابه النور السافر عن أخبار القرن العاشر في ترجمة
أبي بكر بن عبد الله العيدروس المتوفَّى سنة (914هـ) في (ص:79 ـ 80): (( وأمَّا كراماته فكثيرة كقطر السحاب، لا تدرك بِعدٍّ ولا حساب، ولكن أذكر منها على سبيل الإجمال دون التفصيل، ثلاث حكايات تكون كالعنوان على باقيها بالدلالة والتمثيل، منها:
أنَّه لَمَّا رجع من الحجِّ دخل زيلع، وكان الحاكم بها يومئذ محمد بن عتيق، فاتفق أنَّه ماتت أمُّ ولد للحاكم المذكور، وكان مشغوفاً بها، فكاد عقلُه يذهب بموتِها، فدخل عليه سيدي لما بلغه عنه من شدَّة الجزع؛ ليُعزِّيه ويأمره بالصبر والرضاء بالقضاء، وهي مُسجاة بين يدي الحاكم بثوبٍ، فعزَّاه وصبَّره، فلَم يُفِد فيه ذلك، وأكبَّ على قدم سيِّدي الشيخ يُقبِّلُها، وقال: يا سيدي! إن لَم يُحي الله هذه متُّ أنا أيضاً، ولَم تبق لي عقيدة في أحد، فكشف سيِّدي وجهَها، وناداها باسمِها، فأجابته: لبَّيك! وردَّ اللهُ روحَها، وخرج الحاضرون، ولَم يَخرج سيدي الشيخ حتى أكلتْ مع سيِّدها الهريسةَ، وعاشت مدَّة طويلة!!!
وعن الأمير مرجان أنَّه قال: كنتُ في نفرٍ من أصحاب لي في محطَّة صنعاء الأولى، فحمل علينا العدوُّ، فتفرَّق عنِّي أصحابي، وسقط بي فرسي لكثرة ما أُثخن من الجراحات، فدار بِي العدوُّ حينئذٍ من كلِّ جانب، فهتفتُ بالصالِحين، ثمَّ ذكرتُ الشيخ أبا بكر رضي الله عنه، وهتفتُ به، فإذا هو قائمٌ، فوالله العظيم! لقد رأيتُه نهاراً وعاينتُه جهاراً، أخذ بناصيتِي وناصية فرسي، وشلَّنِي من بينهم حتى أوصَلَنِي المحطة، فحينئذ مات الفرس، ونجوتُ أنا ببَرَكتِه رضي الله عنه ونفع به!!!
وعن المُريد الصادق نعمان بن محمد المهدي أنَّه قال: بينما نحن سائرون في سفينةٍ إلى الهند، إذ وقع فيها خرقٌ عظيمٌ، فأيقَنوا بالهلاك، وضجَّ كلٌّ بالدعاء والتضرُّع إلى الله تعالى، وهتف كلٌّ بشيخِه، وهتفتُ أنا بشيخي أبي بكر العيدروس رضي الله عنه، فأخذتنِي سِنَة، فرأيتُه داخل السفينة، وبيده منديلٌ أبيض، وهو قاصدٌ نحو الخَرْق، فانتبهتُ فرحاً مسروراً، وناديتُ بأعلى صوتِي: أنْ أَبشِروا يا أهل السفينة! فقد جاء الفرَج، فقالوا: ماذا رأيتَ؟ فأخبرتُهم، فتفقَّدوا الخَرْقَ، فوجدوه مسدوداً بمنديل أبيض كما رأيتُ، فنجونا ببركته رضي الله عنه ونفع به!!! )) اهـ.
ومُجرَّد ذكر هذه الحكايات يُغنِي عن التعليق عليها!!
ومؤلِّف هذا الكتاب، القائلُ فيه هذا الكلام من أهل القرن الحادي عشر، ولكلِّ قومٍ وارث!
وأصحابَه الكرام،فأهل السُّنَّة والحديث يَرثون رسولَ الله والخرافيُّون يَرِثون أهلَ الخُرافة!
وقول هذا القائل عن كرامات العيدروس أنَّها (كقطر السحاب، لا تُدرك بِعدٍّ ولا حساب!!) قد لا يسمع مسلمٌ مثلَ هذه العبارة في التيكرامات أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو سيِّدُ الأولياء، وخيرُ أمَّة محمد هي خيرُ الأُمم.
وأمَّا الحكايات الثلاث المزعوم أنَّها كرامات العيدروس فهي مِن المُضحكات المُبكيات!
مُضحكاتٌ لشدَّة غرابتِها! ومُبكياتٌ؛ لأنَّها تدلُّ بوضوح على مدى تلاعب الشيطان بالمفتونين بأصحاب القبور!!
وقد قال ابن كثير رحمه الله: (( وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النَّبِيُّ بتسوية القبور وطمسها، والمغالاةُ في البَشر حرام )).
والحكايةُ الأولى من الحكايات الثلاث فيها أنَّ الرَّجلَ الذي ماتت أمُّ ولده أكبَّ على رِجل العيدروس يُقبِّلُها، قائلاً: (( يا سيدي! إن لَم يُحيِ الله هذه متُّ أنا أيضاً، ولَم تبق لي عقيدة في أحد!!
فكشف سيِّدي وجهَها، وناداها باسمِها، فأجابته: لبَّيك! وردَّ اللهُ روحَها ... وعاشت مدَّة طويلة!!! )).
والله عزَّ وجلَّ يقول: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}، ومَن مات قامت قيامتُه،والإنسانُ في الدنيا له حياةٌ واحدة، لا حياتان أو أكثر، قال الله عزَّ وجلَّ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
وأمَّا الحكايتان الأخريان، فإنَّ فيهما دعاءَ غير الله، والاستغاثة به عند الشدائد، والله يقول: {أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}!!
وأمَّا حياةُ الموتى، فإنَّ مَن زعم الكاتب نُصحَهم يؤمنون بأنَّ للموتى في قبورهم حياةً برزخيَّةً، الله أعلم بكيفيتها، وليست شبيهةً بالحياة الدنيا، ولا بالحياة بعد البعث، وفيهم المُنعَّمون في قبورهم والمعذَّبون فيها، والنعيمُ والعذابُ للروح وللجسد؛ لأنَّ الإحسانَ حصل منهما جميعاً، والإساءةَ حصلت منهما جميعاً.
وهم أيضاً لا يُحكِّمون العقل في الأمور الغيبيَّة، بل التعويلُ عندهم على النصوص الشرعية، وعندهم أنَّ العقلَ السليم لا يُخالف النقلَ الصحيح، ولشيخ الإسلام في ذلك كتابٌ واسع، هو درء تعارض العقل والنقل.
* * *
20 ـ للكاتب شغفٌ عظيمٌ ، والبئر التي سقط، كمكان مولِده بالآثار المكانية التي تُنسبُ إلى النَّبِيِّ إلى المدينة، في قباء عند قدومِه في هجرتِه ، ومكان مَبرك ناقته فيها خاتَمُه وغير ذلك.
ويَعتِب بشدَّة على مَن زعم نُصحَهم؛ لعدمِ الاهتمامِ بذلك والمحافظةِ عليه، ويستدلُّ للمحافظة على مثل هذه الآثار بقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى}، وبِما جاء في قصَّة طالوت: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ}.
قال: (( وقال المفسِّرون: إنَّ البقيَّةَ المذكورة هي عَصاة موسى ونعليه (كذا) و... إلخ )).
وبالإشارةِ إلى الأحاديث الصحيحة الواردة فيما يتعلَّق بآثار النَّبِيِّ واهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بها المذكورة في ثنايا أبواب صحيح البخاري.
والجواب عن الدليل الأول: أنَّ اتِّخاذ مقام إبراهيم مُصلَّى دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة، ولا دلالة فيه للكاتب على المحافظة على الآثار التي ذكرها؛ لأنَّ الآيةَ في اتِّخاذ المقام مصلَّى، ولا يصحُّ القياس عليه.
وأيضاً فإنَّ اتِّخاذ المقام مصلَّى مِمَّا أشار به على
عمرُ بنُ الخطاب رضيرسولِ الله الله عنه، فنزلت الآيةُ في ذلك.
وعمرُ رضي الله عنه هو الذي جاء عنه المنعُ من التعلُّق بمثلِ هذه الآثار؛ لأنَّه هو الذي أَمر بقطع الشجرة التي حصلت تحتها بيعةُ الرِّضوان، ولأنَّه جاء في الأثر عن المعرور بن سُويد قال: (( كنتُ مع عمر بين مكة والمدينة، فصلَّى بنا الفجر، فقرأ {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}، و{لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}، ثمَّ رأى قوماً ينزلون فيُصلُّون في مسجد، فسأل عنهم، ، فقال: إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهمفقالوا: مسجدٌ صلَّى فيه النَّبِيُّ اتَّخذوا آثارَ أنبيائِهم بِيَعاً، مَن مرَّ بشيءٍ من المساجد فحضرَت الصلاة فليُصلِّ، وإلاَّ فلْيَمضِ ))، رواه عبد الرزاق (2/118 ـ 119)، وأبو بكر بن أبي شيبة (2/376 ـ 377) بإسنادٍ صحيح.
والجوابُ عن الدليل الثاني: أنَّ البقيَّةَ المذكورة في الآية لو صحَّ تفسيرُها بِما ذُكر، فإنَّه لا دلالة فيها على التعلُّق بالآثار؛ لأنَّ النَّهيَ عن التعلُّق بالآثار ثبت عن عمر، كما مرَّ آنفاً، وفيه: (( :إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهم اتَّخذوا آثار أنبيائِهم بِيَعاً ))، وقد قال (( فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ )).
والجواب عن الدليل الثالث: أنَّ الأحاديث الواردة في وفَضل وَضوئهصحيح البخاري وغيره تدلُّ على تبرُّك الصحابة بعَرَق النَّبِيِّ ، وكلُّ ذلك ثابتٌ، وقد حصل للصحابة رضي اللهوشعرِه، وغير ذلك مِمَّا مَسَّ جسدَه عنه وأرضاهم.
وأمَّا الآثار المكانيَّة، فقد مرَّ في أثر عمر رضي الله عنه ما يدلُّ على منع التعلُّق بها.
ونَهيُ عمر رضي الله عنه عن التعلُّق بآثار ، إنَّما كان المكانيَّة التي لَم يأتِ بها سُنَّةٌ عن رسول الله النَّبِيِّ لِما يُفضي إليه ذلك من الغلُوِّ والوقوع في المحذور.
ومِمَّا يُوضِّح ذلك أنَّ الكـاتبَ ـ وقد افتُتِن بالآثار ـ أدَّاه افتتانُه بها إلى الإشادةِ بالبناء على القبور، وقد جاء تحريمه في السُّنَّة، وقد مرَّ ذكرُ إشادتِه بمشهد العيدروس بعَدَن، ووصفِه قبَّته بأنَّها مباركة.
بل أدَّاه افتتانُه بالآثار أن عاب على ، فقال: (( كان هناكمَن زعم نُصحَهم عدم محافظتهم على أثر مَبرَك ناقة النَّبِيِّ في مسجد (قباء) يوم قدومه مُهاجراً إلىأثر (مبرك الناقة) ناقة النَّبِيِّ المدينة في مكان نزل فيه قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ}، فأزَلتُم هذا الأثر، وكنَّا نُشاهدُه حتى وقتٍ قريب!! )).
ويُقال للكاتب: مِن أين لكَ وجود مكان هذا المَبرك، وبقاؤه إلى هذا الزمان؟
إنَّ ذلك لا يتأتَّى إلاَّ لو ثبت أنَّ أحاطه بجدار، وتوارثه الخلفاءُ الرَّاشدون ومَن بعدهم إلى هذا الوقت،النَّبِيَّ وأنَّى ذلك؟!!
ومعلومٌ أنَّ خلافةَ عمر رضي الله عنه تزيدُ على عشر سنين، ومقرُّها المدينة، وهو الذي أمر بقطع الشجرة التي في الحديبية قُرب مكة، وهو الذي المكانيَّة التي لَم تأت بها سُنَّة، كما مرَّ فينهى عن تتبُّع آثار النَّبِيِّ الأثر قريباً، فهل من المعقول أن يَمنَعَ عمرُ رضي الله عنه من آثار بعيدة عن المدينة ويُبْقِى على أثر مَبرك الناقة الذي زعمه الكاتب، وهو عنده في المدينة؟!!
ولَم يقف الكاتبُ عند حدِّ الرَّغبة في المحافظة على الآثار التي لَم يأت فيها سُنَّة، بل تعدَّاه إلى الرغبة في بقاءِالمكانيَّة للرسول أثرٍ وُجد في عصرٍ متأخِّرٍ، فقال وهو يعِيبُ مَن زعم نُصحَهم: (( وهدَمتُم بجوار بيتِ أبي أيُّوب الأنصاري رضي الله عنه مكتبةَ شيخ الإسلام (عارف حكمت) المليئة بالكتب والمخطوطاتِ النَّفيسة، وكان طرازُ بنائها العثماني رائعاً ومُمَيَّزاً!! هدمتُم كلَّ ذلك في حين أنَّه بعيدٌ عن توسعةِ الحرَم، ولا علاقةَ له بها!! )).
وهذه نتيجة الشَّغَف بالآثار!
وموقعُ المكتبة المُشار إليها بينه وبين بضعةُ أمتار، وهو الآن ضمن ساحات المسجد.الجدار الأمامي لمسجد الرسول
والكتب التي فيها، الاستفادةُ منها قائمةٌ؛ لأنَّ المكتبات الموجودة بالمدينة ـ ومنها هذه المكتبة ـ جُمعت في مكتبة واحدة قرب المسجد النبوي، وهي مكتبة الملك عبد العزيز.
هذا ولَم يقِف الكاتبُ عند حدِّ العتب واللَّوم لِمَن زعم نصحَهم؛ لعدم التي لَم تأتِ به سُنَّة، بل تعدَّاهالمحافظة على الآثار المكانية للنَّبِيِّ !إلى وصفِهم بأنَّهم يكرهون النَّبِيَّ
ولا أدري هل شَعر الكاتبُ أو لَم يشعُر لا يكون مسلماً، بل يكون كافراً؟!أنَّ مَن يكره الرَّسولَ
وسبق للكاتب أنَّ مَن زعم نُصحَهم يتَّهمون المسلمين بالشرك، وأنَّهم يُكفِّرون الصوفيَّة قاطبة، وأنَّهم يُكفِّرون الأشاعرة، وذلك كذبٌ عليهم، وهم برآء منه، وهنا يصف مَن زعم نصحَهم ـ زوراً وبُهتاناً ـ بأنَّهم يكرهون النَّبِيَّ ، ولا شكَّ أنَّ ذلك كفرٌ، نعوذ بالله من الكفر والشرك والنفاق.
ثمَّ مِمَّا ينبغي أن يُعلَم أنَّ الصحابةَ الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ومن تبعهم بإحسانٍ لَم يكونوا يذهبون إلى الآثار ، ومكان مَبْرَك الناقة المزعوم،المكانية التي لَم يأت بها سُنَّة، كمكان مولده ولو كان خيراً لسبقوا إليه.
فلَم يكونوا يحافظون على مثل هذه الآثار، وإنَّما المشتملكانوا يحافظون على آثارٍ أُخرى، وهي الآثارُ الشرعيَّةُ التي هي حديثُه ، ويحافظون على فعل السُّنن وترك البدع ومحدثاتِعلى أقواله وأفعاله وتقريراته الأمور، ولقد أحسن مَن قال:
دينُ النَّـبِيِّ مُحـمَّـد أخـبـــارُ نـعم المـطـيَّةُ للـفتى آثــارُ
لا ترغَبنَّ عن الحـديث وأهلِه فالرأيُ ليْلٌ والحديثُ نهارُ
ولَرُبَّما جهل الفتى أثرَ الهُدى والشَّمسُ بازغَةٌ لَها أنـوارُ
وقال آخر:
الفقهُ في الدين بالآثار مقتـرنٌ
فاشـغَل زمانَـك في فقهٍ وفي أثَرِ
فالشُّغلُ بالفقه والآثار مرتفعٌ
بقاصد الله فوق الشمس والقمرِ
* * *
21 ـ ومقدِّمة الدكتور البوطي لأوراق الأستاذ الرفاعي تشتمل على الثناء على الرِّفاعي، وموافقته على كلِّ ما في نصيحتِه المزعومة المسمومة، وعلى وَصْفها بأنَّها (تذكرة هادئة، ولطيفة في أسلوبها!!).
وتشتملُ على الغلوِّ ، بل وزعم أنَّ القرونفي الآثار المكانيَّة التي لَم يأت بها سنَّة عن رسول الله الثلاثة وما بعدها إلى هذا الوقت مُجمعةٌ على التبرُّك بهذه الآثار، وأنَّه لَم يُخالِف في ذلك إلاَّ علماء نجد المزعوم نُصحهم، وأنَّ ذلك بدعة.
ومن قوله في ذلك: (( ولا نشكُّ في أنَّهم يعلمون كما نعلم أنَّ عصورَ السلف الثلاثة مرَّت شاهدة ، من داربإجماع على تبرُّك أولئك السلف بالبقايا التي تذكِّرهم برسول الله ولادتِه، وبيت خديجة رضي الله عنها، ودار أبي أيوب الأنصاري التي استقبلته فنزل فيها في أيامه الأولى من هجرتِه إلى المدينة المنورة، وغيرها من الآثار كبئر أَريس، وبئر ذي طوى، ودار الأرقم ... ثم إنَّ الأجيالَ التي جاءت فمرَّت على أعقاب ذلك كانت خيرَ حارسٍ لَها، وشاهد أمين على ذلك الإجماع )).
وتشتملُ أيضاً على اتِّهام المزعوم نُصحهم بـ (( تكفير سواد هذه الأمة بحجَّة كونهم أشاعرة أو ماترديين! )).
وتشتملُ أيضاً على الإنكار على علماء نجد في تحذيرِهم من الغلُوِّ ، ويُفرِّق بين الغُلُوِّ والإطراء، فيَمنعُ الإطراءَ ويُجيزُفي رسول الله : (لاتطروني كما أطرت النصارى ابنَالغلُوَّ، قال: (( ولو قلتُم كما قال رسول الله مريم) لكان كلاماً مقبولاً، ولكان ذلك نصيحةً غاليةً.
أمَّا الحبُّ الذي هو تعلُّق القلب بالمحبوب على وجه الاستئناس بقُربِه والاستيحاش من بُعده، فلا يكون ـ إلاَّ عنواناً على مزيدِ قُربٍ منالغلوُّ فيه ـ عندما يكون المحبوب رسول الله الله!! وقد علمنا أنَّ الحبَّ في الله من مُستلزمات توحيد الله تعالى، ومهما غلا في حُبِّه له أو بالَغ، فلن يصِل إلى أَبعد من القَدْر الذيمُحبُّ رسول الله !!! إذ قال فيما اتَّفق عليه الشيخان: (لا يؤمن أحدُكم حتى أكونأَمر به رسول الله أحبَّ إليه من مالِه وولدِه والناس أجمعين)، وفي رواية للبخاري: (ومن نفسه) )).
والجواب: على ذلك أن نقول:
أولاً: أمَّا ثناء البوطي على الرفاعي فيصدق على المثنِي والمثنَى عليه قول الشاعر:
ذهب الرِّجال المُقتدَى بفعالِهم
والمنكـرون لـكلِّ فعل منكرِ
وبقيتُ في خَلْف يُزكِّي بعضُهم
بعضاً ليدفع معور عن معورِ
ثانياً: إنَّ وصفَ البوطي لنصيحة الرِّفاعيِّ المزعومة
بـ (أنَّها تذكرة هادئة، وأنَّها لطيفة في أسلوبها!!) بعيدٌ عن الحقيقة والواقع؛ يتَّضحُ ذلك بالوقوف على بعض الجُمل التي أوردتُها من كلام الرِّفاعيِّ، ففيها الكذب والجفاء.
ثالثاً: وأمَّا موافقتُه للرِّفاعي فيما جاء في أوراقه، فإنَّ كلَّ ما تقدَّم في الردِّ على الرِّفاعي هو ردٌّ على البوطي.
رابعاً: وأمَّا إجماع العصور الثلاثة وما بعدها الذي زعمه البوطي على المكانيَّة، كمكان مولدِه وبئر أريس التي سقط فيهاالتبرُّك بآثار النَّبِيِّ ونحو ذلك، فلا يتأتَّى له إثبات هذا الإجماع، بل ولا إثبات القول به عنخاتَمُه واحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم!
وأيُّ إجماعٍ يُزعمُ من الصحابة ومَن بعدهم على ذلك، وقد جاء عن عمر رضي الله عنه الأمر بقطع شجرة بيعة الرضوان في الحديبية قرب مكة، وجاء عنه أيضاً التحذيرُ من التعلُّق بمثل هذه الآثار، وقال: (( إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهم اتَّخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً ))؟! كما مَرَّ ثبوت ذلك عنه في مصنَّفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
خامساً: وأمَّا زعمه بأنَّه لَم يُخالف هذا الإجماعَ المزعوم إلاَّ علماءُ نجد، فغيرُ صحيح؛ لأنَّ كلَّ متَّبع للكتاب والسُّنَّة وما كان عليه سلف الأُمَّة يقول بهذا الذي ثبت عن عمر رضي الله عنه، وهم في هذا العصر كثيرون، منتشرون في الأقطار المختلفة، ومنها الكويت والشام التي منها الرفاعي والبوطي!
سادساً: وأمَّا زعمه أنَّ المزعومَ نُصحهم يُكفِّرون سوادَ الأُمَّة بحُجَّة كونهم أشاعرةً أو ماترديِّين، فهو كذبٌ منه وافتراءٌ، كما أنَّه كذبٌ وافتراءٌ من الرفاعي، وقد مرَّ الردُّ عليه.
وأزيد هنا فأقول: إنَّ :الفِرَقَ الواردةَ في قوله
(( ستفترِقُ هذه الأُمَّة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلاَّ واحدة ... )) الحديث، هم من المسلمين؛ لأنَّ أُمَّةَ أُمَّتان: أمَّة الدعوة، يدخل فيها اليهود والنصارى، وكلُّ إنسيٍّالنَّبِيِّ إلى قيام الساعة.وجِنِّي من حين بِعثة الرسول
وأمَّةُ الإجابة: وهم الذين دخلوا في هذا الدِّين، وفيهم الفِرق المذكورة في الحديث، وكلُّ هذه الفِرَق مسلمون مُستحقُّون للعذاب بالنَّار، سوى فرقةٍ واحدة، وهي مَن كان على ما كان عليه الرسول وأصحابُه رضي الله عنهم.
سابعاً: وأمَّا تفريقُه بين الإطراءِ والغُلُوِّ، ومَنعُه الأولَ وتجويزُه الثاني، فهو من التفريقِ بين متماثِلَين، وكما أنَّ عن الإطراء، فإنَّ الغُلُوَّ جاء فيه النَّهيُ عن الله وعنالنَّهيَ جاء عنه ، قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}،رسوله حصَى الجِمار، وهنَّ مثل حصى الخذف، فأمرهم وقد لَقَطَ ابنُ عبَّاسٍ لرسول الله أن يَرموا بمِثلِها، قال: (( وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلَكَ مَن كان قبلكم الغلُوُّ في الدِّين ))، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيُّ وغيرُه.
يجبُ أن تكون في قلب كلِّ مسلمومعلومٌ أنَّ مَحبَّةَ النَّبِيِّ أعظمَ من مَحبَّته لنفسِه وأهله والناس أجمعين، لكن لا يجوز فيها الغُلُوُّ الذي قد شيءٌ من حقِّ الله، كالذي حصل للبوصيريِّيُؤدِّي إلى أن يُصرَف إلى النَّبِيِّ في أبياتِه التي أشرتُ إليها فيما تقدَّم في الردِّ على الرفاعي.
وليت شعري! ما ، وهي من أعظم أُسُس الدِّين،الذي سوَّغ للبوطيِّ تجويز الغلوِّ في محبَّة الرسول في الحديث المتقدِّم آنفاً: (( وإيَّاكم والغلو في الدِّين، فإنَّما أهلكوقد قال مَن كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين ))؟!
* * *
وفي الختام، أقول في النهاية كما قلتُ في البداية: إنَّ الردَّ على الرفاعي إنَّما هو ردٌّ على بعض ما اشتملت عليه أوراقُه، وأنَّ ما ذُكر دليلٌ على ما لم يُذكر.
وأُضيف هنا أنَّنِي لَم أرَ في نصيحة الرفاعي المزعومة ولا في تقديم البوطي لها مسألةً واحدةً حالفهما فيها الصواب، بل إنَّ هذه النصيحة المزعومة المُؤيَّدة من البوطي هي في الحقيقة فضيحة لهما؛ لاشتمالِها على الكذب الواضح على أهل السنَّة والدعوة إلى البدع والضلال.
وأسأل الله لهما الهدايةَ للحقِّ والعملِ به، والسلامةَ مِمَّا يُخالفه، وأسأله تعالى أن يُوفِّقنا جميعاً لِما فيه رضاه والفقه في دينه، والسير وأصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم.على ما كان عليه رسوله الكريم
والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
فهرس الموضوعات
• المقدمة 3
• التنبيه بين يدي الردِّ على أمور على سبيل الإجمال 4
• زعم الكاتب أنَّ علماء نجد تخلَّوا عن المذهب الحنبلي والرد عليه 6
• بيان أنَّ علماء نجد يُعوِّلون على الأدلة ولا يتعصَّبون للمذهب الحنبليِّ 7
• بيان أنَّ المنصفِين من أصحاب المذاهب الأخرى يُعوِّلون كذلك على الأدلة ولا يتعصَّبون لمذاهبهم 8
• بيان أنَّ المعوِّلين على الأدلة هم أسعَد الناس باتباع الأئمة؛ لأنَّهم المنفِّذون لوصاياهم باتباع الأدلة 12
• بيان أنَّ المعوِّلين على الأدلة يوافقون الأئمة الأربعة في العقيدة ويستفيدون منهم في الفروع بخلاف غيرهم 13
• بيان أنَّ كتاب دلائل الخيرات مشتملٌ على أحاديث
،موضوعة وكيفيات محدثة للصلاة على النبيِّ وذكر أمثلة لذلك 14
• زعم الكاتب أنَّ علماء نجد منعوا النصيحة لولاة أمور المسلمين والرد عليه 20
• بيان أنَّ النصيحةَ النافعة للولاة وغيرهم ما كانت سرًّا وبالرِّفق واللِّين 21
• إنكار الكاتب على من زعم نصحهم وصف المدينة بالنبوية والرد عليه 30
• تخرُّص الكاتب في تسمية الجهة المشرفة على المسجد الحرام والمسجد النبوي، وبيان سقوط هذا التخرُّص 32
• إنكار الكاتب على من زعم نصحهم عدم وجود علامة
إلى القبلة الأولى في المسجد المُسمَّى مسجد القبلتين والرد
عليه 34
• افتراء الكاتب على من زعم نصحهم أنَّهم يتَّهمون المسلمين بالشرك وأنَّهم يكفِّرون الأشاعرة والصوفية 36
• زعمه أنَّ علماء نجد يُنكرون تقليد المذاهب الأربعة وبيان الردِّ عليه وأنَّ التقليد عند الضرورة لا مانع منه 37
• بيان موقف أهل العدل والإنصاف من الأئمة الأربعة 44
• ذكر كلام باطل للشيخ أحمد الصاوي في التعصب للأئمة الأربعة 46
• إنكار الكاتب على من زعم نصحهم أنَّهم يردِّدون جملة الحديث الشريف: (( وكل بدعة ضلالة ))، دون فهم لمعناها والرد عليه ببيان الفهم الصحيح لمعناها 48
• زعمه أنَّ من البدع الشنيعة وضع حواجز تفصِل بين الرِّجال والنساء في المسجد الحرام والمسجد النبوي والرد عليه 51
• إشادة الكاتب بتعظيم القبور وبناء القباب عليها والرد
عليه 54
• إشادة الكاتب بقصيدة البردة للبوصيري والرد عليه ببيان المدح بالحقِّ والمدح بالباطل 68للرسول
• إنكار الكاتب منع دفن المسلم الذي يموت خارج مكة والمدينة من الدفن فيهما والرد عليه 75
• نيل الكاتب من الشيخ العلاَّمة المحدِّث محمد ناصر الدِّين الألباني ـ رحمه الله ـ والرد عليه 78
• إشادة الكاتب بالاحتفال بمولد وإنكارُه على من زعم نصحهم إنكارَهم لذلك والرد عليه 80الرسول
• تناقض الكاتب في تألُّمه من تفرُّق المسلمين في أوربا
وأمريكا وتألمه وحزنه على وحدة المسلمين في صلاتهم عند الكعبة 86
في• إنكار الكاتب القول بأنَّ أَبوي الرسول النار والرد
عليه 88
• ذكر جملة من أقوال ابن عربي الطائي الدالة على كفره وذكر عدد كبير من أهل العلم الذين كفَّروه 100
• نيل الكاتب من شيخ الإسلام الشيخ عبد العزيز بن باز
ـ رحمه الله ـ والرد عليه 115
• زعم الكاتب أنَّ الشيخ أبا بكر الجزائري لبَّس على الناسِ أنَّ تفسيرَه هو تفسير الجلالين ليروج على العامة والرد عليه، وبيان أنَّ تفسير الجلالين على طريقة المتكلِّمين 117
• نيل الكاتب من المسئولين في هذه البلاد في إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة والرد عليه 119
• إنكار الكاتب على الحُكَّام والقضاة في هذه البلاد قتل السحرة ومُهرِّبي المخدِّرات والرد عليه 122
• زعم الكاتب أنَّ من زعم نصحهم يُنكرون الولاية وكرامات الأولياء والرد عليه 124
• إشادة الكاتب بالآثار المكانية التي تُنسب ، وعتبهإلى النبِيِّ كمكان مولده والبئر التي سقط فيها خاتمه ومَبرَك ناقته بشدَّة على من زعم نصحهم عدم اهتمامهم بالمحافظة على ذلك والرد عليه 133
• ذكر الأمور التي اشتملت عليها مقدمة البوطي لأوراق الرفاعي والرد عليه فيها 140
• خاتمة الرد 147
• فهرس الموضوعات 149
* * *
*
وأمَّا العلماء الذين نقل عنهم البقاعيُّ تكفيرَ ابن عربي أو ذمَّه ذمًّا شنيعاً، فعددهم يُقاربُ الخمسين.
ومِمَّن نقل عنهم القولَ بكفره:
الحافظ ابن حجر العسقلاني وشيخه سراج الدِّين عمر البلقينِي (ص:159)، وزين الدِّين العراقي (ص:52)، وابنه أبو زرعة وليُّ الدِّين العراقي (ص:124)، وشمس الدِّين الذهبي (ص:161)، وعبد الرحمن بن خلدون (ص:163)، وبدر الدِّين بن جماعة (ص:140)، وشمس الدِّين محمد بن يوسف الجزري (ص:141)، وحفيدُه إمام القرَّاء محمد بن محمد الجزري صاحب الجزرية (ص:176)، وعلي بن يعقوب البكري (ص:144)، ومحمد بن عقيل البالسي (ص:146)، وابن هشام، صاحب مغني اللبيب، وأوضح المسالك في ألفية ابن مالك (ص:150)، وشمس الدِّين محمد العيزري (ص:152)، وعلاء الدِّين البخاري الحنفي (ص:164)، وعلي بن أيوب (ص:182)، وشرف الدِّين عيسى بن مسعود الزواوي المالكي (ص:143)، وشمس الدِّين الموصلي (ص:154)، وزين الدِّين عمر الكتاني (ص:142)، وبرهان الدِّين السفاقينِي (ص:159)، وسعد الدِّين الحارثي الحنبلي (ص:153)، ورضي الدِّين بن الخياط (ص:163)، وشهاب الدِّين أحمد ابن علي الناشري (ص:163).
ومِن الذين ذمُّوه ذمًّا شنيعاً يدلُّ على تكفيره: محمد بن علي النقاش، قال في وحدة الوجود (ص:147): (( وهو مذهبُ المُلحدين، كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض، مِمَّن يجعلُ الوجودَ الخالق هو الوجود المخلوق!! )).
ومنهم: أبو حيَّان الأندلسي صاحبُ التفسير، فقد ذكر في تفسير سورة المائدة عند قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ بنُ مَرْيَمَ} (ص:142 ـ 143): (( ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط مَن أقرَّ بالإسلامِ ظاهراً، وانتمى إلى الصوفية حلولَ الله في الصُّوَر الجميلة، ومَن ذهب من ملاحدَتِهم إلى القول بالاتِّحاد والوحدة كالحلاَّج، والشعوذي، وابن أحلى، وابن عربي المقيم بدمشق، وابن الفارض، وأتباع هؤلاء كابن سبعين )) ـ وعدَّ جماعةً ثمَّ قال ـ: (( وإنَّما سردتُ هؤلاءِ نصحاً لدين الله ـ يعلمُ اللهُ ذلك ـ وشفقَةً على ضعفاء المسلمين.
وليُحذَروا؛ فإنَّهم شرٌّ من الفلاسفة الذي يُكذِّبون اللهَ ورسلَه، ويقولون بِقِدم العالَم، ويُنكرون البعثَ، وقد أُولِع جهلةٌ مِمَّن ينتمي إلى التصوُّف بتعظيمِ هؤلاء، وادِّعائهم أنَّهم صفوةُ الله!! )).
ومِنهم: تقيُّ الدِّين السُّبكي (ص:143)، فقد قال:
(( ومَن كان من هؤلاء الصوفية المتأخِّرين كابن عربي وغيره، فهم ضُلاَّلٌ جُهَّالٌ، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلاً عن العلماء )).
وقد مرَّ نقلُ كلام بدر الدِّين بن جماعة وزين الدِّين العراقي في تكفير ابن عربي، ومِن أقوال الذين صرَّحوا بتكفيره قول إمام القرَّاء شمس الدِّين بن الجزري (ص:175 ـ 176): (( ومِمَّا يجب على ملوك الإسلامِ، ومَن قَدَرَ على الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكر أن يُعدِموا الكتبَ المخالفةَ لظاهِر الشرع المُطهَّر من كتب المذكور وغيره، ولا يُلتَفَتُ إلى قول مَن قال: هذا الكلام المخالف للظاهر ينبغي أن يُؤوَّل؛ فإنَّه غلطٌ من قائلِه، إنَّما يُؤوَّل كلام المعصوم، ولو فُتِح بابُ تأويلِ كلِّ كلام ظاهرُه الكفر، لَم يكن في الأرضِ كافر )).
إنَّما يكون بردِّ المتشابه إلىومعلومٌ أنَّ تأويلَ كلام المعصومِ المُحكَم.
وبعد نقل هذه الجُمَل من كلام ابن عربي المقتضية لكفره، وذِكر هؤلاء العلماء الذين كفَّروه، لا يبقى وجهٌ لأَن يعيبَ الكاتبُ على مَن زعم نُصحَهم تكفيرَهم لابن عربي، حيث قال: (( كفَّرتُم ابنَ عربي ))، والله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
16 ـ قال الكاتب تحت عنوان: (( تزوير التراث )):
(( دأبتُم على أن تحذِفوا ما لا يُعجِبُكم ويُرضيكم من كتب التراث الإسلامي ... )).
وقال: (( ومِمَّا حُذف أو غُيِّر وزُوِّر ))، فذكر أشياءَ منها: (( حاول الشيخُ ابن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (سابقاً) أن يستدرك على ما لا يُعجبُه في كتاب "فتح الباري بشرح البخاري" للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، فأصدرَ مع مُعاوِنيه ثلاثة أجزاء، ثمَّ توقَّف عن التعليق، وقد فتح بابَ شرٍّ بهذه التعليقات )) !!!
والجواب: أنَّ ما ذكره ـ على زعمه ـ يرجع إلى الحذف أو التغيير والتزوير، وما نسبه إلى الشيخ عبد العزيز ابن باز لا علاقة له بالحذف، فبقي أن يكون من قبيل التغيير والتزوير، وأيُّ تغيير وتزوير يكون بالتعليق على كتاب وتعقُّبِ بعضِ ما فيه؟! وهذه طريقةٌ مسلوكةٌ قديماً وحديثاً، مع أنَّ الشيخَ ـ رحمه الله ـ عند تعقُّبه في غاية الأدب، حيث يقول: (( هذا القول فيه نظر، والصوابُ كذا وكذا )).
أمَّا قول الكاتب عن تعليقات الشيخ رحمه الله: (( وقد فتح باب شرٍّ بهذه التعليقات!!! )) فهو من سوء الأدب مع أهل العلم، وأيُّ بابِ شرٍّ فُتِح بهذا العمل؟!
فإنَّ الشيخَ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ معروفٌ لدى كلِّ مُنصِفٍ بأنَّه من مفاتيح الخير ومغاليق الشرِّ، وقد قال الإمامُ الطحاويُّ ـ رحمه الله ـ في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: (( وعلماء السَّلف من السَّابقين ومَن بعدهم من اللاَّحقين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنَّظر، لا يُذكرون إلاَّ بالجميل، ومَن ذكرهم بسوءٍ فهو على غير السَّبيل )).
والشيخ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ جمع اللهُ له بين الخبر والأثر، والفقه والنّظر، فهو محدِّثٌ فقيهٌ.
وأحسَبُ الشيخَ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ ولا أُزكِّي على الله أحداً، مِن خيار الناسِ في هذا الزَّمان، وأرجو أن يكون من الذين قال الله فيهم: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}، وفي صحيح البخاري من حديث : (( إنَّ الله يقول: مَن عادى لِيأبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وليًّا فقد آذنتُه بالحرب ))، وكانت وفاةُ الشيخ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في 27 من شهر المحرم من عام 1420هـ، وقد ألقيتُ عقِبَ وفاتِه محاضرةً في الجامعة الإسلامية بالمدينة بعنوان: (( الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، نموذجٌ من الرَّعيل الأول ))، وقد تَمَّ طبعُها.
ومنها قال الكاتب: (( فُسح إلى أبي بكر الجزائري بأن يعملَ تفسيراً للقرآن الكريم يكون بديلاً ومنافساً لتفسير الجلالَين، ولبَّس على الناسِ أنَّه هو؛ ليَتمَّ ترويجُه على العامة!! )).
والجواب: أنَّ اسمَ تفسير الشيخ أبي بكر الجزائري: "أيسرُ التفاسير لكلام العليِّ الكبير"، ويقع في خمسة مجلدات، وهو فيه يُثبتُ الآيات، ويأتي بمعاني الكلمات، ثمَّ معاني الآيات، ثمَّ هداية الآيات، وهي عبارة عن فوائد تُستنبَطُ من الآيات، وهو بخلاف تفسير الجلالَين، الذي هو مشهور بهذا الاسم، وهو تفسيرٌ على طريقة المتكلِّمين
في غاية الاختصار، يكون التفسير بين كلمات الآيات، ومِن أمثلة ذلك تفسيرُه لآخر آيةٍ من سورة المائدة، حيث جاء فيه كما هو في الطبعة التي عليها حاشية الصاوي:
(( {للهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} خزائن المطر والنبات والرِّزق وغيرها، {وَمَا فِيهِنَّ} أتى بِـ (ما) تغليباً لغير العاقل، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، ومنه إثابةُ الصادقين وتعذيب الكاذبين، وخصَّ العقلُ ذاتَه، فليس عليها بقادر! )).
والضمير في ذاتِه يرجع إلى الله، وهو من تكلُّف المتكلِّمين!!
وأهل السُّنَّةِ والجماعة لا ينقدِحُ في أذهانِهم دخولُ ذات الله تحت قوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، حتَّى يُفكِّروا في إخراجِها.
وعلى هذا، فأيُّ تشابُه بين تفسير الشيخ الجزائري، وتفسير الجلالَين؟!
وأيُّ تلبيسٍ حصل سوَّغ للكاتب أن يقول: (( ولبَّس على الناس أنَّه هو؛ ليَتِمَّ ترويجه على العامة ))؟!!
ولا يكون الكاتبُ صادقاً إلاَّ لو كان اسم تفسير الجزائري: "تفسير الجلالين" وما أحوج الكاتب إلى التحلِّي بقول الله عزَّ وجلَّ: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}!
وقد ذكر الكاتبُ أشياءَ ادَّعى الحذفَ فيها، لَم أتعرَّض لها لعدم تَمَكُّنِي من معرفة الصدق أو الكذب فيها، ولو صحَّ شيءٌ منها، فإنَّه يُنسبُ إلى مَن فَعَلَه من الناشرين وغيرهم، ولا تَسُوغُ نسبةُ ذلك إلى مَن زعم الكاتبُ نُصحَهم في قوله: (( دأبتُم على أن تحذِفوا ما لا يُعجِبُكم ويُرضيكم من كتب التراث الإسلامي ...!! )).
* * *
17 ـ ذكر الكاتب عمَّن زعم نصحهم أنَّهم أنشأوا جامعةً في المدينة المنورة سَمَّوها: (( الجامعة الإسلامية ))، ، فصاروهَرَع الناسُ إليها؛ ظانِّين أنَّهم ستزيدُهم مَحبَّةً واتِّباعاً للرسول الأمرُ إلى خلاف ذلك بزعمه!
والجواب: أنَّ الجامعةَ الإسلامية بالمدينة أُنشئت سنة (1381هـ)، وهي من أعظم حسنات حكومة المملكة العربية السعودية، وأجلّ هداياها للعالَم الإسلاميِّ؛ لأنَّ نسبةَ الطلاَّب غير السعوديين فيها تعادِل 80 % تقريباً.
ومنذ إنشائها والإقبالُ عليها عظيمٌ من داخل المملكة وخارجها، وهي مشتمِلَةٌ على كليَّات: الشريعة، والدعوة وأصول الدِّين، والقرآن الكريم، والحديث الشريف، واللغة العربية، وفيها دراسات عليا لمنحِ درَجَتَي الماجستير والدكتوراه.
وطلبتُها يَدرسون فيها الكتاب والسُّنَّة وسائرَ العلوم الشرعية، وهي تُعنَى بتوجيه طلبتِها إلى الاهتمامِ بهذه العلوم الشريفة؛ ليسيروا إلى الله على هدى وبصيرة، ويسلكوا الصراطَ المستقيم، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}.
وتُعنى أيضاً بتوجيه طلبَتِها إلى مَحبَّة الله ورسوله أعظمَ منوأصحابه الكرام والتابعين لهم بإحسانٍ، وأن تكون مَحبَّتُهم للرَّسول ،محبَّة النَّفس والوالد والولد والناس أجمعين، كما ثبت ذلك عن الرَّسول الكريم لكن بدون غلُوٍّ وإطراء كما هو شأن أهل البِدع، وتُعلِّمُهم أيضاً العنايةَ باتِّباع السنن وترك البدع ومُحدثات الأمور.
وقد تخرَّج فيها حتى الآن ألوف كثيرة، عادوا إلى بلادِهم وغير بلادِهم، وهم في الجملة دعاةٌ إلى الخير وإلى الصراط المستقيم، وفيهم كثيرون تعاقدت معهم حكومة المملكة العربية السعودية للقيام بالدعوة إلى الله والتوجيه إلى الخير في بلاد كثيرة إسلامية وغير إسلامية.
ومعلومٌ أنَّ هذا المنهج القويم الذي تسير عليه الجامعة لا يُعجِبُ أهلَ البدع والدعاة إليها، كما هو شأن الكاتب؛ إذ صارت هذه الحسنات في نظرِه سيِّئات، نسأل الله له وللمقدِّم لأوراقِه الهدايةَ إلى اتِّباع الحقِّ وسلوك طريقه المستقيم.
* * *
18 ـ أنحى الكاتب باللَّوم على حُكَّام المملكة العربية السعودية وقُضاتها لقتلِهم مُهرِّبي المخدِّرات، وكذلك أنحى باللَّوم عليهم لقتلهم السَّحرة، وقال: (( وتوَسَّعتُم في إصدار الأحكام باسم الشرع الحنيف في قتل المخالِفين لكم من أصحاب الرُّقية والعلاج الرُّوحي، وسَمَّيتُموهم (سحرة)! ولَم تُفرِّقوا بين المُحقِّين منهم وبين المُبطلين منهم، وتركتم لأنفسكم مطلق الفتوى والحكم بذلك، فأَسَلْتُم دماءَ الكثيرين من الأبرياء بحُجَّة أنَّهم سحرةٌ تُستباحُ دماؤهم، متناسين قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ}، وقول البشير : (أَوَّلُ مَا يُقْضَى به بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيالنذير الدِّمَاءِ)، فقِفوا عند الحدودِ، وادرؤوها بالشبهات!! )).
والجواب من وجهين:
الأول: أنَّ هذا من عجيب أمر الكاتب؛ يتألَّم لعقوبة الظالمين وهم قليلون، ولا يتألَّم لتضرُّر المظلومين وهم كثيرون لا يحصون، يُشفق على الذئاب ولا يُشفق على فرائسِها!! يَعطِفُ الرِّفاعي على الأفاعي، ولا يعطِف على هلكى سُمومها!! وإنَّ مِن حسن حظِّ المرء أن لا يكون ظهيراً للمجرمين!
الثاني: وأمَّا زعمه أنَّ الحُكَّامَ والقُضاةَ توسَّعوا في قتل أصحابِ الرُّقية والعلاج الروحي، وأنَّهم سَمَّوهم سحرة، وأنَّهم لَم يُفرِّقوا بين المُحقِّين منهم والمُبطلين، وأنَّهم تركوا لأنفسِهم مطلق الفتوى والحكم بذلك، فأسالوا دِماءَ الكثيرين من الأبرياء، وأنَّهم لَم يدرأوا الحدودَ بالشُّبهات، فجوابه أن نقول:
مِن أين للكاتبِ أنَّ الحُكَّامَ والقُضاةَ لَم يُفرِّقوا بين المُحِقِّ والمُبطِل، وأنَّ مَن قتلوهم أبرياء، وأنَّ هناك شبهات لَم تُدرأ بها الحدود، حتى قال ما قال؟!
لكنَّه الرَّجم بالغيب واتِّباع الهوى!
ثمَّ لماذا الاعتراض على الحُكَّام في حُكمهم، والقضاة في قضائِهم، والمُفتين في إفتائهم؟!
وما هي منزلة هذا المعترِض في العلمِ والدِّين؟
رحم الله امرأً عَرفَ قَدر نفسِه، وترك ما لا يَعنيه إلى ما يَعنيه!
والقضاةُ لَم يَنسَوا الآيةَ والحديث، ولَم يتناسوهما، ولكنَّهم اجتهدوا : (( إذا حكم الحاكمُ فاجتهدللوصول إلى الحقِّ، وهم مأجورون على كلِّ حال؛ لقوله فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد ))، رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.
* * *
19 ـ قال الكاتب: (( تتّهتَمُّون المخالفِين لكم من المسلمين بأنَّهم جهمية أو معتزلة مارقين (كذا)، وأنتم الجهميَّة؛ لأنَّكم وافقتموهم في بعض آرائِهم!
وحقًّا أنتم المعتزلة؛ لأنَّكم شاركتموهم في إنكار الولايةِ والأولياء، والكرامة والكرامات، وحياة الموتى، وتحكيم العقل في المغيَّبات من أمور الدِّين!! )).
والجواب: أن يُقال:
أوَّلاً: إنَّ مَن زعم الكاتب نُصحَهم لا يتَّهمون أحداً بِما ليس فيه، بل مَن كان على عقيدة الجهميَّة التي تَظهر في أقواله ومؤلَّفاته وَصَفوه بِما ظهر منه، والمشهور عن الجهميَّة نفي الأسماء والصفات، فهم أهلُ تعطيل، وأهل السنة أهلُ إثبات، لكن بدون تشبيه؛ عملاً بقوله عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، فأثبت لنفسه السمعَ والبصر، ونفى مشابهَتَه لغيره ومشابهةَ غيره له، فلا يوافِق أهلُ السُّنَّة الجهميَّةَ في شيءٍ من آرائِهم ومعتقداتهم، فهم أبعَدُ الناسِ عنهم، وأسعدُهم في مجانبَتِهم.
ثانياً: إنَّ الذين زعم الكاتب نُصحَهم لا يُنكرون الولايةَ والأولياء، والكرامةَ والكرامات، كما زعم الكاتبُ قائلاً: إنَّهم شاركوا المعتزلة في ذلك!
وهم يُقرُّون بالولاية والأولياء، والأولياء عندهم هم الذين قال الله فيهم: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.
ويُصدِّقون بِما حصلَ ويَحصل لهؤلاء الأولياء من الكرامات، إذا حصل ذلك على وجهٍ ثابتٍ، كقصَّة فيأُسَيد ابن حُضَير وعبَّاد بن بشر رضي الله عنهما، وخروجهما من عند رسول الله ليلة مظلمةٍ وبين أيديهما نورٌ، فلَمَّا تفرَّقا تفرَّق النُّورُ معهما، وهي في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه.
وقصَّةِ تكثير الطعام لأضيافِ أبي بَكر رضي الله عنه، وهي في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، ومِمَّا قالَه الإمامُ الطحاويُّ في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في الأولياء: (( والمؤمنون كلُّهم أولياءُ الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعُهم وأتبعُهم للقرآن ))، وقال: (( ونؤمنُ بِما جاء من كراماتِهم، وصحَّ عن الثقات من رواياتِهم )).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في العقيدة الواسطية: (( ومن أصول أهل السُّنَّة: التصديقُ بكرامات الأولياء، وما يُجرِي اللهُ على أيديهم من خوارقِ العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات.
والمأثور من سالف الأُمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وسائر قرون الأُمَّة، وهي موجودةٌ فيها إلى يوم القيامة )).
وأمَّا إذا كان الأمرُ الخارقُ للعادة جاء في حكايات هي أشبه بالخرافات، لا سيما إذا كانت واضحةً في مُخالفةِ الشرعِ، كالاستغاثةِ بغير الله من الأمواتِ والأحياء الغائبين، ويُزعم أنَّها كرامةٌ لِمن ادُّعيت له الولاية، والله أعلم بحقيقة الحال، فإنَّه لا يُلتفتُ إليه، ولا يُغتَرُّ به.
وأكتفي بالتمثيل لذلك بِما ذُكر أنَّه من كرامات العيدروس الذي قال عنه الكاتبُ: إنَّه بركةُ عدَن وحضرموت، وأشاد بِمشهدِه، ونوَّه ببناءِ قُبَّتِه، ووصفها بأنَّها مباركة!!
فقد قال عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروسي في كتابه النور السافر عن أخبار القرن العاشر في ترجمة
أبي بكر بن عبد الله العيدروس المتوفَّى سنة (914هـ) في (ص:79 ـ 80): (( وأمَّا كراماته فكثيرة كقطر السحاب، لا تدرك بِعدٍّ ولا حساب، ولكن أذكر منها على سبيل الإجمال دون التفصيل، ثلاث حكايات تكون كالعنوان على باقيها بالدلالة والتمثيل، منها:
أنَّه لَمَّا رجع من الحجِّ دخل زيلع، وكان الحاكم بها يومئذ محمد بن عتيق، فاتفق أنَّه ماتت أمُّ ولد للحاكم المذكور، وكان مشغوفاً بها، فكاد عقلُه يذهب بموتِها، فدخل عليه سيدي لما بلغه عنه من شدَّة الجزع؛ ليُعزِّيه ويأمره بالصبر والرضاء بالقضاء، وهي مُسجاة بين يدي الحاكم بثوبٍ، فعزَّاه وصبَّره، فلَم يُفِد فيه ذلك، وأكبَّ على قدم سيِّدي الشيخ يُقبِّلُها، وقال: يا سيدي! إن لَم يُحي الله هذه متُّ أنا أيضاً، ولَم تبق لي عقيدة في أحد، فكشف سيِّدي وجهَها، وناداها باسمِها، فأجابته: لبَّيك! وردَّ اللهُ روحَها، وخرج الحاضرون، ولَم يَخرج سيدي الشيخ حتى أكلتْ مع سيِّدها الهريسةَ، وعاشت مدَّة طويلة!!!
وعن الأمير مرجان أنَّه قال: كنتُ في نفرٍ من أصحاب لي في محطَّة صنعاء الأولى، فحمل علينا العدوُّ، فتفرَّق عنِّي أصحابي، وسقط بي فرسي لكثرة ما أُثخن من الجراحات، فدار بِي العدوُّ حينئذٍ من كلِّ جانب، فهتفتُ بالصالِحين، ثمَّ ذكرتُ الشيخ أبا بكر رضي الله عنه، وهتفتُ به، فإذا هو قائمٌ، فوالله العظيم! لقد رأيتُه نهاراً وعاينتُه جهاراً، أخذ بناصيتِي وناصية فرسي، وشلَّنِي من بينهم حتى أوصَلَنِي المحطة، فحينئذ مات الفرس، ونجوتُ أنا ببَرَكتِه رضي الله عنه ونفع به!!!
وعن المُريد الصادق نعمان بن محمد المهدي أنَّه قال: بينما نحن سائرون في سفينةٍ إلى الهند، إذ وقع فيها خرقٌ عظيمٌ، فأيقَنوا بالهلاك، وضجَّ كلٌّ بالدعاء والتضرُّع إلى الله تعالى، وهتف كلٌّ بشيخِه، وهتفتُ أنا بشيخي أبي بكر العيدروس رضي الله عنه، فأخذتنِي سِنَة، فرأيتُه داخل السفينة، وبيده منديلٌ أبيض، وهو قاصدٌ نحو الخَرْق، فانتبهتُ فرحاً مسروراً، وناديتُ بأعلى صوتِي: أنْ أَبشِروا يا أهل السفينة! فقد جاء الفرَج، فقالوا: ماذا رأيتَ؟ فأخبرتُهم، فتفقَّدوا الخَرْقَ، فوجدوه مسدوداً بمنديل أبيض كما رأيتُ، فنجونا ببركته رضي الله عنه ونفع به!!! )) اهـ.
ومُجرَّد ذكر هذه الحكايات يُغنِي عن التعليق عليها!!
ومؤلِّف هذا الكتاب، القائلُ فيه هذا الكلام من أهل القرن الحادي عشر، ولكلِّ قومٍ وارث!
وأصحابَه الكرام،فأهل السُّنَّة والحديث يَرثون رسولَ الله والخرافيُّون يَرِثون أهلَ الخُرافة!
وقول هذا القائل عن كرامات العيدروس أنَّها (كقطر السحاب، لا تُدرك بِعدٍّ ولا حساب!!) قد لا يسمع مسلمٌ مثلَ هذه العبارة في التيكرامات أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو سيِّدُ الأولياء، وخيرُ أمَّة محمد هي خيرُ الأُمم.
وأمَّا الحكايات الثلاث المزعوم أنَّها كرامات العيدروس فهي مِن المُضحكات المُبكيات!
مُضحكاتٌ لشدَّة غرابتِها! ومُبكياتٌ؛ لأنَّها تدلُّ بوضوح على مدى تلاعب الشيطان بالمفتونين بأصحاب القبور!!
وقد قال ابن كثير رحمه الله: (( وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النَّبِيُّ بتسوية القبور وطمسها، والمغالاةُ في البَشر حرام )).
والحكايةُ الأولى من الحكايات الثلاث فيها أنَّ الرَّجلَ الذي ماتت أمُّ ولده أكبَّ على رِجل العيدروس يُقبِّلُها، قائلاً: (( يا سيدي! إن لَم يُحيِ الله هذه متُّ أنا أيضاً، ولَم تبق لي عقيدة في أحد!!
فكشف سيِّدي وجهَها، وناداها باسمِها، فأجابته: لبَّيك! وردَّ اللهُ روحَها ... وعاشت مدَّة طويلة!!! )).
والله عزَّ وجلَّ يقول: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}، ومَن مات قامت قيامتُه،والإنسانُ في الدنيا له حياةٌ واحدة، لا حياتان أو أكثر، قال الله عزَّ وجلَّ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
وأمَّا الحكايتان الأخريان، فإنَّ فيهما دعاءَ غير الله، والاستغاثة به عند الشدائد، والله يقول: {أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}!!
وأمَّا حياةُ الموتى، فإنَّ مَن زعم الكاتب نُصحَهم يؤمنون بأنَّ للموتى في قبورهم حياةً برزخيَّةً، الله أعلم بكيفيتها، وليست شبيهةً بالحياة الدنيا، ولا بالحياة بعد البعث، وفيهم المُنعَّمون في قبورهم والمعذَّبون فيها، والنعيمُ والعذابُ للروح وللجسد؛ لأنَّ الإحسانَ حصل منهما جميعاً، والإساءةَ حصلت منهما جميعاً.
وهم أيضاً لا يُحكِّمون العقل في الأمور الغيبيَّة، بل التعويلُ عندهم على النصوص الشرعية، وعندهم أنَّ العقلَ السليم لا يُخالف النقلَ الصحيح، ولشيخ الإسلام في ذلك كتابٌ واسع، هو درء تعارض العقل والنقل.
* * *
20 ـ للكاتب شغفٌ عظيمٌ ، والبئر التي سقط، كمكان مولِده بالآثار المكانية التي تُنسبُ إلى النَّبِيِّ إلى المدينة، في قباء عند قدومِه في هجرتِه ، ومكان مَبرك ناقته فيها خاتَمُه وغير ذلك.
ويَعتِب بشدَّة على مَن زعم نُصحَهم؛ لعدمِ الاهتمامِ بذلك والمحافظةِ عليه، ويستدلُّ للمحافظة على مثل هذه الآثار بقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى}، وبِما جاء في قصَّة طالوت: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ}.
قال: (( وقال المفسِّرون: إنَّ البقيَّةَ المذكورة هي عَصاة موسى ونعليه (كذا) و... إلخ )).
وبالإشارةِ إلى الأحاديث الصحيحة الواردة فيما يتعلَّق بآثار النَّبِيِّ واهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بها المذكورة في ثنايا أبواب صحيح البخاري.
والجواب عن الدليل الأول: أنَّ اتِّخاذ مقام إبراهيم مُصلَّى دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة، ولا دلالة فيه للكاتب على المحافظة على الآثار التي ذكرها؛ لأنَّ الآيةَ في اتِّخاذ المقام مصلَّى، ولا يصحُّ القياس عليه.
وأيضاً فإنَّ اتِّخاذ المقام مصلَّى مِمَّا أشار به على
عمرُ بنُ الخطاب رضيرسولِ الله الله عنه، فنزلت الآيةُ في ذلك.
وعمرُ رضي الله عنه هو الذي جاء عنه المنعُ من التعلُّق بمثلِ هذه الآثار؛ لأنَّه هو الذي أَمر بقطع الشجرة التي حصلت تحتها بيعةُ الرِّضوان، ولأنَّه جاء في الأثر عن المعرور بن سُويد قال: (( كنتُ مع عمر بين مكة والمدينة، فصلَّى بنا الفجر، فقرأ {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}، و{لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}، ثمَّ رأى قوماً ينزلون فيُصلُّون في مسجد، فسأل عنهم، ، فقال: إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهمفقالوا: مسجدٌ صلَّى فيه النَّبِيُّ اتَّخذوا آثارَ أنبيائِهم بِيَعاً، مَن مرَّ بشيءٍ من المساجد فحضرَت الصلاة فليُصلِّ، وإلاَّ فلْيَمضِ ))، رواه عبد الرزاق (2/118 ـ 119)، وأبو بكر بن أبي شيبة (2/376 ـ 377) بإسنادٍ صحيح.
والجوابُ عن الدليل الثاني: أنَّ البقيَّةَ المذكورة في الآية لو صحَّ تفسيرُها بِما ذُكر، فإنَّه لا دلالة فيها على التعلُّق بالآثار؛ لأنَّ النَّهيَ عن التعلُّق بالآثار ثبت عن عمر، كما مرَّ آنفاً، وفيه: (( :إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهم اتَّخذوا آثار أنبيائِهم بِيَعاً ))، وقد قال (( فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ )).
والجواب عن الدليل الثالث: أنَّ الأحاديث الواردة في وفَضل وَضوئهصحيح البخاري وغيره تدلُّ على تبرُّك الصحابة بعَرَق النَّبِيِّ ، وكلُّ ذلك ثابتٌ، وقد حصل للصحابة رضي اللهوشعرِه، وغير ذلك مِمَّا مَسَّ جسدَه عنه وأرضاهم.
وأمَّا الآثار المكانيَّة، فقد مرَّ في أثر عمر رضي الله عنه ما يدلُّ على منع التعلُّق بها.
ونَهيُ عمر رضي الله عنه عن التعلُّق بآثار ، إنَّما كان المكانيَّة التي لَم يأتِ بها سُنَّةٌ عن رسول الله النَّبِيِّ لِما يُفضي إليه ذلك من الغلُوِّ والوقوع في المحذور.
ومِمَّا يُوضِّح ذلك أنَّ الكـاتبَ ـ وقد افتُتِن بالآثار ـ أدَّاه افتتانُه بها إلى الإشادةِ بالبناء على القبور، وقد جاء تحريمه في السُّنَّة، وقد مرَّ ذكرُ إشادتِه بمشهد العيدروس بعَدَن، ووصفِه قبَّته بأنَّها مباركة.
بل أدَّاه افتتانُه بالآثار أن عاب على ، فقال: (( كان هناكمَن زعم نُصحَهم عدم محافظتهم على أثر مَبرَك ناقة النَّبِيِّ في مسجد (قباء) يوم قدومه مُهاجراً إلىأثر (مبرك الناقة) ناقة النَّبِيِّ المدينة في مكان نزل فيه قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ}، فأزَلتُم هذا الأثر، وكنَّا نُشاهدُه حتى وقتٍ قريب!! )).
ويُقال للكاتب: مِن أين لكَ وجود مكان هذا المَبرك، وبقاؤه إلى هذا الزمان؟
إنَّ ذلك لا يتأتَّى إلاَّ لو ثبت أنَّ أحاطه بجدار، وتوارثه الخلفاءُ الرَّاشدون ومَن بعدهم إلى هذا الوقت،النَّبِيَّ وأنَّى ذلك؟!!
ومعلومٌ أنَّ خلافةَ عمر رضي الله عنه تزيدُ على عشر سنين، ومقرُّها المدينة، وهو الذي أمر بقطع الشجرة التي في الحديبية قُرب مكة، وهو الذي المكانيَّة التي لَم تأت بها سُنَّة، كما مرَّ فينهى عن تتبُّع آثار النَّبِيِّ الأثر قريباً، فهل من المعقول أن يَمنَعَ عمرُ رضي الله عنه من آثار بعيدة عن المدينة ويُبْقِى على أثر مَبرك الناقة الذي زعمه الكاتب، وهو عنده في المدينة؟!!
ولَم يقف الكاتبُ عند حدِّ الرَّغبة في المحافظة على الآثار التي لَم يأت فيها سُنَّة، بل تعدَّاه إلى الرغبة في بقاءِالمكانيَّة للرسول أثرٍ وُجد في عصرٍ متأخِّرٍ، فقال وهو يعِيبُ مَن زعم نُصحَهم: (( وهدَمتُم بجوار بيتِ أبي أيُّوب الأنصاري رضي الله عنه مكتبةَ شيخ الإسلام (عارف حكمت) المليئة بالكتب والمخطوطاتِ النَّفيسة، وكان طرازُ بنائها العثماني رائعاً ومُمَيَّزاً!! هدمتُم كلَّ ذلك في حين أنَّه بعيدٌ عن توسعةِ الحرَم، ولا علاقةَ له بها!! )).
وهذه نتيجة الشَّغَف بالآثار!
وموقعُ المكتبة المُشار إليها بينه وبين بضعةُ أمتار، وهو الآن ضمن ساحات المسجد.الجدار الأمامي لمسجد الرسول
والكتب التي فيها، الاستفادةُ منها قائمةٌ؛ لأنَّ المكتبات الموجودة بالمدينة ـ ومنها هذه المكتبة ـ جُمعت في مكتبة واحدة قرب المسجد النبوي، وهي مكتبة الملك عبد العزيز.
هذا ولَم يقِف الكاتبُ عند حدِّ العتب واللَّوم لِمَن زعم نصحَهم؛ لعدم التي لَم تأتِ به سُنَّة، بل تعدَّاهالمحافظة على الآثار المكانية للنَّبِيِّ !إلى وصفِهم بأنَّهم يكرهون النَّبِيَّ
ولا أدري هل شَعر الكاتبُ أو لَم يشعُر لا يكون مسلماً، بل يكون كافراً؟!أنَّ مَن يكره الرَّسولَ
وسبق للكاتب أنَّ مَن زعم نُصحَهم يتَّهمون المسلمين بالشرك، وأنَّهم يُكفِّرون الصوفيَّة قاطبة، وأنَّهم يُكفِّرون الأشاعرة، وذلك كذبٌ عليهم، وهم برآء منه، وهنا يصف مَن زعم نصحَهم ـ زوراً وبُهتاناً ـ بأنَّهم يكرهون النَّبِيَّ ، ولا شكَّ أنَّ ذلك كفرٌ، نعوذ بالله من الكفر والشرك والنفاق.
ثمَّ مِمَّا ينبغي أن يُعلَم أنَّ الصحابةَ الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ومن تبعهم بإحسانٍ لَم يكونوا يذهبون إلى الآثار ، ومكان مَبْرَك الناقة المزعوم،المكانية التي لَم يأت بها سُنَّة، كمكان مولده ولو كان خيراً لسبقوا إليه.
فلَم يكونوا يحافظون على مثل هذه الآثار، وإنَّما المشتملكانوا يحافظون على آثارٍ أُخرى، وهي الآثارُ الشرعيَّةُ التي هي حديثُه ، ويحافظون على فعل السُّنن وترك البدع ومحدثاتِعلى أقواله وأفعاله وتقريراته الأمور، ولقد أحسن مَن قال:
دينُ النَّـبِيِّ مُحـمَّـد أخـبـــارُ نـعم المـطـيَّةُ للـفتى آثــارُ
لا ترغَبنَّ عن الحـديث وأهلِه فالرأيُ ليْلٌ والحديثُ نهارُ
ولَرُبَّما جهل الفتى أثرَ الهُدى والشَّمسُ بازغَةٌ لَها أنـوارُ
وقال آخر:
الفقهُ في الدين بالآثار مقتـرنٌ
فاشـغَل زمانَـك في فقهٍ وفي أثَرِ
فالشُّغلُ بالفقه والآثار مرتفعٌ
بقاصد الله فوق الشمس والقمرِ
* * *
21 ـ ومقدِّمة الدكتور البوطي لأوراق الأستاذ الرفاعي تشتمل على الثناء على الرِّفاعي، وموافقته على كلِّ ما في نصيحتِه المزعومة المسمومة، وعلى وَصْفها بأنَّها (تذكرة هادئة، ولطيفة في أسلوبها!!).
وتشتملُ على الغلوِّ ، بل وزعم أنَّ القرونفي الآثار المكانيَّة التي لَم يأت بها سنَّة عن رسول الله الثلاثة وما بعدها إلى هذا الوقت مُجمعةٌ على التبرُّك بهذه الآثار، وأنَّه لَم يُخالِف في ذلك إلاَّ علماء نجد المزعوم نُصحهم، وأنَّ ذلك بدعة.
ومن قوله في ذلك: (( ولا نشكُّ في أنَّهم يعلمون كما نعلم أنَّ عصورَ السلف الثلاثة مرَّت شاهدة ، من داربإجماع على تبرُّك أولئك السلف بالبقايا التي تذكِّرهم برسول الله ولادتِه، وبيت خديجة رضي الله عنها، ودار أبي أيوب الأنصاري التي استقبلته فنزل فيها في أيامه الأولى من هجرتِه إلى المدينة المنورة، وغيرها من الآثار كبئر أَريس، وبئر ذي طوى، ودار الأرقم ... ثم إنَّ الأجيالَ التي جاءت فمرَّت على أعقاب ذلك كانت خيرَ حارسٍ لَها، وشاهد أمين على ذلك الإجماع )).
وتشتملُ أيضاً على اتِّهام المزعوم نُصحهم بـ (( تكفير سواد هذه الأمة بحجَّة كونهم أشاعرة أو ماترديين! )).
وتشتملُ أيضاً على الإنكار على علماء نجد في تحذيرِهم من الغلُوِّ ، ويُفرِّق بين الغُلُوِّ والإطراء، فيَمنعُ الإطراءَ ويُجيزُفي رسول الله : (لاتطروني كما أطرت النصارى ابنَالغلُوَّ، قال: (( ولو قلتُم كما قال رسول الله مريم) لكان كلاماً مقبولاً، ولكان ذلك نصيحةً غاليةً.
أمَّا الحبُّ الذي هو تعلُّق القلب بالمحبوب على وجه الاستئناس بقُربِه والاستيحاش من بُعده، فلا يكون ـ إلاَّ عنواناً على مزيدِ قُربٍ منالغلوُّ فيه ـ عندما يكون المحبوب رسول الله الله!! وقد علمنا أنَّ الحبَّ في الله من مُستلزمات توحيد الله تعالى، ومهما غلا في حُبِّه له أو بالَغ، فلن يصِل إلى أَبعد من القَدْر الذيمُحبُّ رسول الله !!! إذ قال فيما اتَّفق عليه الشيخان: (لا يؤمن أحدُكم حتى أكونأَمر به رسول الله أحبَّ إليه من مالِه وولدِه والناس أجمعين)، وفي رواية للبخاري: (ومن نفسه) )).
والجواب: على ذلك أن نقول:
أولاً: أمَّا ثناء البوطي على الرفاعي فيصدق على المثنِي والمثنَى عليه قول الشاعر:
ذهب الرِّجال المُقتدَى بفعالِهم
والمنكـرون لـكلِّ فعل منكرِ
وبقيتُ في خَلْف يُزكِّي بعضُهم
بعضاً ليدفع معور عن معورِ
ثانياً: إنَّ وصفَ البوطي لنصيحة الرِّفاعيِّ المزعومة
بـ (أنَّها تذكرة هادئة، وأنَّها لطيفة في أسلوبها!!) بعيدٌ عن الحقيقة والواقع؛ يتَّضحُ ذلك بالوقوف على بعض الجُمل التي أوردتُها من كلام الرِّفاعيِّ، ففيها الكذب والجفاء.
ثالثاً: وأمَّا موافقتُه للرِّفاعي فيما جاء في أوراقه، فإنَّ كلَّ ما تقدَّم في الردِّ على الرِّفاعي هو ردٌّ على البوطي.
رابعاً: وأمَّا إجماع العصور الثلاثة وما بعدها الذي زعمه البوطي على المكانيَّة، كمكان مولدِه وبئر أريس التي سقط فيهاالتبرُّك بآثار النَّبِيِّ ونحو ذلك، فلا يتأتَّى له إثبات هذا الإجماع، بل ولا إثبات القول به عنخاتَمُه واحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم!
وأيُّ إجماعٍ يُزعمُ من الصحابة ومَن بعدهم على ذلك، وقد جاء عن عمر رضي الله عنه الأمر بقطع شجرة بيعة الرضوان في الحديبية قرب مكة، وجاء عنه أيضاً التحذيرُ من التعلُّق بمثل هذه الآثار، وقال: (( إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهم اتَّخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً ))؟! كما مَرَّ ثبوت ذلك عنه في مصنَّفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
خامساً: وأمَّا زعمه بأنَّه لَم يُخالف هذا الإجماعَ المزعوم إلاَّ علماءُ نجد، فغيرُ صحيح؛ لأنَّ كلَّ متَّبع للكتاب والسُّنَّة وما كان عليه سلف الأُمَّة يقول بهذا الذي ثبت عن عمر رضي الله عنه، وهم في هذا العصر كثيرون، منتشرون في الأقطار المختلفة، ومنها الكويت والشام التي منها الرفاعي والبوطي!
سادساً: وأمَّا زعمه أنَّ المزعومَ نُصحهم يُكفِّرون سوادَ الأُمَّة بحُجَّة كونهم أشاعرةً أو ماترديِّين، فهو كذبٌ منه وافتراءٌ، كما أنَّه كذبٌ وافتراءٌ من الرفاعي، وقد مرَّ الردُّ عليه.
وأزيد هنا فأقول: إنَّ :الفِرَقَ الواردةَ في قوله
(( ستفترِقُ هذه الأُمَّة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلاَّ واحدة ... )) الحديث، هم من المسلمين؛ لأنَّ أُمَّةَ أُمَّتان: أمَّة الدعوة، يدخل فيها اليهود والنصارى، وكلُّ إنسيٍّالنَّبِيِّ إلى قيام الساعة.وجِنِّي من حين بِعثة الرسول
وأمَّةُ الإجابة: وهم الذين دخلوا في هذا الدِّين، وفيهم الفِرق المذكورة في الحديث، وكلُّ هذه الفِرَق مسلمون مُستحقُّون للعذاب بالنَّار، سوى فرقةٍ واحدة، وهي مَن كان على ما كان عليه الرسول وأصحابُه رضي الله عنهم.
سابعاً: وأمَّا تفريقُه بين الإطراءِ والغُلُوِّ، ومَنعُه الأولَ وتجويزُه الثاني، فهو من التفريقِ بين متماثِلَين، وكما أنَّ عن الإطراء، فإنَّ الغُلُوَّ جاء فيه النَّهيُ عن الله وعنالنَّهيَ جاء عنه ، قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}،رسوله حصَى الجِمار، وهنَّ مثل حصى الخذف، فأمرهم وقد لَقَطَ ابنُ عبَّاسٍ لرسول الله أن يَرموا بمِثلِها، قال: (( وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلَكَ مَن كان قبلكم الغلُوُّ في الدِّين ))، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيُّ وغيرُه.
يجبُ أن تكون في قلب كلِّ مسلمومعلومٌ أنَّ مَحبَّةَ النَّبِيِّ أعظمَ من مَحبَّته لنفسِه وأهله والناس أجمعين، لكن لا يجوز فيها الغُلُوُّ الذي قد شيءٌ من حقِّ الله، كالذي حصل للبوصيريِّيُؤدِّي إلى أن يُصرَف إلى النَّبِيِّ في أبياتِه التي أشرتُ إليها فيما تقدَّم في الردِّ على الرفاعي.
وليت شعري! ما ، وهي من أعظم أُسُس الدِّين،الذي سوَّغ للبوطيِّ تجويز الغلوِّ في محبَّة الرسول في الحديث المتقدِّم آنفاً: (( وإيَّاكم والغلو في الدِّين، فإنَّما أهلكوقد قال مَن كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين ))؟!
* * *
وفي الختام، أقول في النهاية كما قلتُ في البداية: إنَّ الردَّ على الرفاعي إنَّما هو ردٌّ على بعض ما اشتملت عليه أوراقُه، وأنَّ ما ذُكر دليلٌ على ما لم يُذكر.
وأُضيف هنا أنَّنِي لَم أرَ في نصيحة الرفاعي المزعومة ولا في تقديم البوطي لها مسألةً واحدةً حالفهما فيها الصواب، بل إنَّ هذه النصيحة المزعومة المُؤيَّدة من البوطي هي في الحقيقة فضيحة لهما؛ لاشتمالِها على الكذب الواضح على أهل السنَّة والدعوة إلى البدع والضلال.
وأسأل الله لهما الهدايةَ للحقِّ والعملِ به، والسلامةَ مِمَّا يُخالفه، وأسأله تعالى أن يُوفِّقنا جميعاً لِما فيه رضاه والفقه في دينه، والسير وأصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم.على ما كان عليه رسوله الكريم
والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.
فهرس الموضوعات
• المقدمة 3
• التنبيه بين يدي الردِّ على أمور على سبيل الإجمال 4
• زعم الكاتب أنَّ علماء نجد تخلَّوا عن المذهب الحنبلي والرد عليه 6
• بيان أنَّ علماء نجد يُعوِّلون على الأدلة ولا يتعصَّبون للمذهب الحنبليِّ 7
• بيان أنَّ المنصفِين من أصحاب المذاهب الأخرى يُعوِّلون كذلك على الأدلة ولا يتعصَّبون لمذاهبهم 8
• بيان أنَّ المعوِّلين على الأدلة هم أسعَد الناس باتباع الأئمة؛ لأنَّهم المنفِّذون لوصاياهم باتباع الأدلة 12
• بيان أنَّ المعوِّلين على الأدلة يوافقون الأئمة الأربعة في العقيدة ويستفيدون منهم في الفروع بخلاف غيرهم 13
• بيان أنَّ كتاب دلائل الخيرات مشتملٌ على أحاديث
،موضوعة وكيفيات محدثة للصلاة على النبيِّ وذكر أمثلة لذلك 14
• زعم الكاتب أنَّ علماء نجد منعوا النصيحة لولاة أمور المسلمين والرد عليه 20
• بيان أنَّ النصيحةَ النافعة للولاة وغيرهم ما كانت سرًّا وبالرِّفق واللِّين 21
• إنكار الكاتب على من زعم نصحهم وصف المدينة بالنبوية والرد عليه 30
• تخرُّص الكاتب في تسمية الجهة المشرفة على المسجد الحرام والمسجد النبوي، وبيان سقوط هذا التخرُّص 32
• إنكار الكاتب على من زعم نصحهم عدم وجود علامة
إلى القبلة الأولى في المسجد المُسمَّى مسجد القبلتين والرد
عليه 34
• افتراء الكاتب على من زعم نصحهم أنَّهم يتَّهمون المسلمين بالشرك وأنَّهم يكفِّرون الأشاعرة والصوفية 36
• زعمه أنَّ علماء نجد يُنكرون تقليد المذاهب الأربعة وبيان الردِّ عليه وأنَّ التقليد عند الضرورة لا مانع منه 37
• بيان موقف أهل العدل والإنصاف من الأئمة الأربعة 44
• ذكر كلام باطل للشيخ أحمد الصاوي في التعصب للأئمة الأربعة 46
• إنكار الكاتب على من زعم نصحهم أنَّهم يردِّدون جملة الحديث الشريف: (( وكل بدعة ضلالة ))، دون فهم لمعناها والرد عليه ببيان الفهم الصحيح لمعناها 48
• زعمه أنَّ من البدع الشنيعة وضع حواجز تفصِل بين الرِّجال والنساء في المسجد الحرام والمسجد النبوي والرد عليه 51
• إشادة الكاتب بتعظيم القبور وبناء القباب عليها والرد
عليه 54
• إشادة الكاتب بقصيدة البردة للبوصيري والرد عليه ببيان المدح بالحقِّ والمدح بالباطل 68للرسول
• إنكار الكاتب منع دفن المسلم الذي يموت خارج مكة والمدينة من الدفن فيهما والرد عليه 75
• نيل الكاتب من الشيخ العلاَّمة المحدِّث محمد ناصر الدِّين الألباني ـ رحمه الله ـ والرد عليه 78
• إشادة الكاتب بالاحتفال بمولد وإنكارُه على من زعم نصحهم إنكارَهم لذلك والرد عليه 80الرسول
• تناقض الكاتب في تألُّمه من تفرُّق المسلمين في أوربا
وأمريكا وتألمه وحزنه على وحدة المسلمين في صلاتهم عند الكعبة 86
في• إنكار الكاتب القول بأنَّ أَبوي الرسول النار والرد
عليه 88
• ذكر جملة من أقوال ابن عربي الطائي الدالة على كفره وذكر عدد كبير من أهل العلم الذين كفَّروه 100
• نيل الكاتب من شيخ الإسلام الشيخ عبد العزيز بن باز
ـ رحمه الله ـ والرد عليه 115
• زعم الكاتب أنَّ الشيخ أبا بكر الجزائري لبَّس على الناسِ أنَّ تفسيرَه هو تفسير الجلالين ليروج على العامة والرد عليه، وبيان أنَّ تفسير الجلالين على طريقة المتكلِّمين 117
• نيل الكاتب من المسئولين في هذه البلاد في إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة والرد عليه 119
• إنكار الكاتب على الحُكَّام والقضاة في هذه البلاد قتل السحرة ومُهرِّبي المخدِّرات والرد عليه 122
• زعم الكاتب أنَّ من زعم نصحهم يُنكرون الولاية وكرامات الأولياء والرد عليه 124
• إشادة الكاتب بالآثار المكانية التي تُنسب ، وعتبهإلى النبِيِّ كمكان مولده والبئر التي سقط فيها خاتمه ومَبرَك ناقته بشدَّة على من زعم نصحهم عدم اهتمامهم بالمحافظة على ذلك والرد عليه 133
• ذكر الأمور التي اشتملت عليها مقدمة البوطي لأوراق الرفاعي والرد عليه فيها 140
• خاتمة الرد 147
• فهرس الموضوعات 149
* * *
*